ابن عجيبة

68

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ولا حرج عليكم أيضا أن تأكلوا من بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ الذكور أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ النساء ، أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ ؛ لأن الإذن من هؤلاء ثابت ؛ دلالة . واختلف العلماء في إباحة الأكل من هذه البيوت المذكورة ، فقيل : إنه منسوخ وإنه لا يجوز الأكل من بيت أحد إلا بإذنه ، والناسخ : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ « 1 » ، وقوله - عليه الصلاة والسلام - : « لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس » « 2 » . وقيل : محكمة ، ومعناها : إذا أذنوا في ذلك ، وقيل : ولو بغير إذن ، والتحقيق : هو التفصيل : فمن علم منه طيب نفسه وفرحه بذلك ؛ بقرينة : حلّ أكل ماله ، ومن لا ؛ فلا . أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ قال ابن عباس : هو وكيل الرجل وقيّمه في ضيعته وماشيته ، له أن يأكل من ثمرة ضيعته ، ويشرب من لبن ماشيته . والمراد بملك المفاتح : كونها في يده وتحت حوزه . وقيّده ابن العربي بما إذا لم تكن له أجرة ، وإن كانت له أجرة على فعله حرم ، يعنى : إلا إذا علم طيب نفس صاحبه ؛ فيدخل في الصديق . وقيل : أريد به بيت عبده ؛ لأن العبد وما في يده لمولاه . أَوْ صَدِيقِكُمْ أي : أو بيوت أصدقائكم ، والصديق يكون واحدا وجمعا ، وهو من يصدقك في مودته وتصدقه في مودتك ، يؤلمه ما يؤلمك ويؤلمك ما يؤلمه ، ويسرك ما يسره كذلك . وكان الرجل من السلف يدخل دار صديقه وهو غائب ، فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء ، فإذا حضر مولاها أعتقها سرورا بذلك ، فأما الآن فقد غلب الشحّ فلا يأكل إلا بإذن . قاله النسفي « 3 » . لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً : مجتمعين أَوْ أَشْتاتاً : متفرقين ، جمع شتّ ، نزلت في بنى ليث بن عمرو ، كانوا يتحرّجون أن يأكل الرجل وحده ، فربما قعد منتظرا نهاره إلى الليل ، فإذا لم يجد من يؤاكله من الضيفان أكل أكل ضرورة . وقيل : في قوم من الأنصار كانوا إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا مع ضيفهم ، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاءوا . وقيل : في قوم تحرجوا من الاجتماع على الطعام لاختلاف الناس في الأكل ، وزيادة بعضهم على بعض ، فخيّرهم . وقيل : كان الغنى منهم إذا دخل على الفقير من ذوى قرابته وصداقته ، ودعاه إلى طعام ، فيقول : إني أتحرج أن آكل معك ، وأنا غنى وأنت فقير ، فأباح لهم ذلك . واللّه تعالى أعلم .

--> ( 1 ) الآية 188 من سورة البقرة . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند ( 5 / 72 ) في حديث خطبة الوداع الطويل ، والبيهقي في الكبرى ( 6 / 100 ) عن أبي حرة الرشاقى ، عن عمه . وأخرجه الديلمي ( الفردوس ح 7635 ) والدار قطني ( 3 / 26 ) ، من حديث أنس بن مالك رضي اللّه عنه . ( 3 ) انظر تفسير النسفي ( 2 / 520 ) .